عبد الملك الجويني
115
نهاية المطلب في دراية المذهب
774 - ولم يتفطّن لحقيقة النيّة أحد من الفقهاء غيرُ القفّال ؛ فإنه قال : " النيّة تقع في لحظة واحدة لا يتصور بسطها " وشَرْحُ ما ذكره ما أوردناه . ولو حضرت العلوم قبل التكبير ، ثم وقع القصد قبل أول التكبير ، وخلا أول التكبير عن النيّة ، فلا يصح ذلك عند أئمتنا . 775 - وأبو حنيفة ( 1 ) يصحح هذا . وحقيقة الخلاف بيننا وبينه يرجع عندي إلى أمر أصولي : وهو أن من يرى تقدّم الاستطاعة على الفعل ، فمتعلق القدرة عنده ليس عين الفعل ( 2 ) ، فعلى هذا متعلق القصد يتقدم على وقوع المقصود ، كما أن متعلق القدرة متقدم على وقوع المقدور ، ثم لا يجوِّز أبو حنيفة أن ينقطع تعلق القصد بغيره عن أول التكبير . فهذا هو الوفاء ببيان حقيقة المذاهب في التقديم والاقتران . ثم فرعّ الفقهاء على هذه الطرق تفريعاتٍ مختلطة صادرة عن اختلاط الأصول . 776 - فأمّا من قال بتقديم النيّة قال : يجب أن يكون مستديماً للنيّة جملةً ، إلى الفراغ من التكبير . وهذا أيضاً قول من لم يحط بحقيقة النيّة . وأنا أقول : من ضرورة تقديم النيّة أن تنطبق النيّة على أوّل التكبير ، والمقدم هو المعلوم ، ثم إذا حضرت العلوم ، وقع القصد ، فليس ما يدام نيّةً وإنّما هو ذكر النيّة ، وذكْرُ النيّة علمٌ بأنها وقعت ، كما وصفنا وقوعها . فإذاً هل نشترط دوام العلم بجريان النية إلى الفراغ من التكبير ؟ فيه تردد للأئمة على هذه الطريقة : فمنهم من يشترط الدوام ، ومنهم من لم يشترط ، ولم يوجب أحدٌ بسطَ حقيقة النيّة . وممّا يتم به بيان هذه الطريقة أن من شَرَط التقديم فإنما عَنَى تقديمَ العلوم - كما سبق شرحه - وبنى الأمرَ على مجرى العُرف فيه . فلو قال قائل : لو هجمت العلوم والقصدُ مع أول التكبير ، فلا شك أنه يجوز ذلك ، لكن هذا لا يقع في مطرد العرف ، فهذا تفريع هذه الطريقة .
--> ( 1 ) ر . بدائع الصنائع : 1 / 129 ، حاشية ابن عابدين : 1 / 279 . البحر الرائق : 1 / 292 . ( 2 ) ر . البرهان في أصول الفقه : 1 / فقرة 176 .